فصل: فصل: القاعدة الثالثة: في إجراء النصوص على ظاهرها

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين **


فصل‏:‏ القاعدة الثالثة‏:‏ في إجراء النصوص على ظاهرها

ظاهر النصوص ما يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه وما يحتف بها من القرائن‏.‏ والواجب في النصوص إجراؤها على ظاهرها بدون تحريف لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنه لتنزيل رب العالمين ‏.‏ نزل به الروح الأمين ‏.‏ على قلبك لتكون من المنذرين ‏.‏ بلسان عربي مبين‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏1‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إنا جعلناه قرآنا عربيًا لعلكم تعقلون‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏2‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏3‏)‏‏.‏

فإذا كان الله تعالى‏:‏ أنزله باللسان العربي من أجل عقله وفهمه، وأمرنا باتباعه، وجب علينا إجراؤه على ظاهره بمقتضى ذلك اللسان العربي، إلا أن تمنع منه حقيقة شرعية‏.‏ ولا فرق في هذا بين نصوص الصفات وغيرها، بل قد يكون وجوب التزام الظاهر في نصوص الصفات أولى وأظهر، لأن مدلولها توقيفي محض لا مجال للعقول في تفاصيله‏.‏

فإن قال قائل ‏:‏ في نصوص الصفات لا يجوز إجراؤها على ظاهرها لأن ظاهرها غير مراد‏.‏

فجوابه أن يقال‏:‏ ماذا تريد بالظاهر‏؟‏ أتريد ما يظهر من النصوص من المعاني اللائقة بالله من غير تمثيل فهذا الظاهر مراد لله ورسوله قطعًا، وواجب على العباد قبوله، والإيمان به شرعًا، لأنه حق ولا يمكن أن يخاطب الله عباده بما يريد منهم خلاف ظاهره بدون بيان كيف وقد قال‏:‏ ‏{‏يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏4‏)‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏يبين الله لكم أن تضلوا‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏‏(‏5‏)‏‏.‏ ويقول عن رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏{‏وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏6‏)‏‏.‏ ويقول‏:‏ ‏{‏وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏7‏)‏‏.‏ ومن خاطب غيره بما يريد منه خلاف ظاهره بدون بيان فإنه لم يبين له ولم يهده‏.‏

أم تريد بالظاهر ما فهمته من التمثيل، فهذا غير مراد لكنه ليس ظاهر نصوص الكتاب والسنة، لأن هذا الظاهر الذي فهمته كفر وباطل بالنص والإجماع، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله كفرًا وباطلًا ولا يرتضي ذلك أحد من المسلمين‏.‏

وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن نصوص الصفات تجري على ظاهرها اللائق بالله عز وجل من غير تحريف ، وأن ظاهرها لا يقتضي تمثيل الخالق بالمخلوق ، فاتفقوا على أن لله تعالى‏:‏ حياة، وعلما ً، وقدرة ، وسمعًا، وبصرًا ، حقيقة، وأنه مستو على عرشه حقيقة ، وأنه يحب ، ويرضى ، ويكره ، ويغضب حقيقة ، وأن له وجهًا ويدين حقيقة لقوله تعالى‏:‏ ‏:‏ ‏{‏وتوكل على الحي الذي لا يموت‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏1‏)‏‏.‏ وقوله ‏:‏ ‏{‏وهو بكل شيء عليم‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏2‏)‏‏.‏ ‏{‏وهو على كل شيء قدير‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏3‏)‏‏.‏ ‏{‏وهو السميع البصير‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏4‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏الرحمن على العرش استوى‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏5‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏‏{‏فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏6‏)‏‏.‏ ‏{‏رضي الله عنهم ورضوا عنه‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏7‏)‏ ‏{‏ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏8‏)‏‏.‏ ‏{‏وغضب الله عليه ولعنه‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏9‏)‏وقوله ‏:‏ ‏{‏ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏10‏)‏‏.‏ ‏:‏‏{‏بل يداه مبسوطتان‏}‏ ‏[‏‏]‏ ‏(‏11‏)‏‏.‏

فأجروا هذه النصوص وغيرها من نصوص الصفات على ظاهرها وقالوا‏:‏ إنه مراد على الوجه اللائق بالله تعالى‏:‏ فلا تحريف، ولا تمثيل‏.‏

وبيان ذلك‏:‏ أن من صفاتنا ما هو معان وأعراض قائمة بنا كالحياة والعلم، والقدرة‏.‏ ومنها ما هو أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليدين‏.‏ ومن المعلوم أن الله وصف نفسه بأنه حي، عليم، قدير، ولم يقل المسلمون ‏:‏ إن المفهوم من حياته، وعلمه، وقدرته، كالمفهوم من حياتنا، وعلمنا وقدرتنا، فكذلك لما وصف نفسه بأن له وجهًا ويدين لم يكن المفهوم من وجهه ويديه كالمفهوم من وجوهنا وأيدينا‏.‏ وإنما قال المسلمون ‏:‏ إن المفهوم من صفات الله في هذا وهذا لا يماثل المفهوم منها في صفاتنا بل كل صفة تناسب الموصوف وتليق به، فلما كانت ذات الخالق لا تماثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تماثل صفات المخلوقين‏.‏ وقد سبق أن القول في الصفات كالقول في الذات‏.‏

فتبين بذلك أن من قال‏:‏ إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد فقد أخطأ على كل تقدير، لأنه إن فهم من ظاهرها معنى فاسدًا وهو التمثيل فقد أخطأ في فهمه وأصاب في قوله ‏:‏ ‏"‏غير مراد ‏"‏ وإن فهم من ظاهرها معنى صحيحًا وهو المعنى اللائق بالله فقد أصاب في فهمه وأخطأ في قوله ‏:‏ ‏"‏غير مراد‏"‏ فهو إن أصاب في معنى ظاهرها أخطأ في نفي كونه مرادًا، وإن أخطأ في معنى ظاهرها أصاب في نفي كونه مرادًا، فيكون قوله خطأ على كل تقدير‏.‏

والصواب الذي لا خطأ فيه أن ظاهرها مراد، وأنه ليس إلا معنى يليق بالله‏.‏